حين تُختطف الحقيقة ويُدفع الأبرياء الثمن
بقلم: الدوقة نيفين الجمل
بصراحةٍ لا تعرف المجاملة…
ما يعيشه العالم اليوم لم يعد مجرد صراعاتٍ تُقاس بالسلاح، بل تحوّل إلى معركةٍ أخطر—معركة على الوعي، على الحقيقة، على إدراك الإنسان نفسه قبل أن تكون على الأرض أو الحدود.
لقد أصبح الإنسان شاهدًا وقاضيًا في آنٍ واحد؛
يخوض معارك ليست معاركه، ويُصدر أحكامًا على شعوبٍ لم يعشها، ويُفسّر أديانًا لم يتعمّق في فهمها.
وفي هذا الضجيج المتصاعد… تضيع البوصلة، ويغيب السؤال الجوهري:
متى نُصلح أنفسنا؟
لو أن كل إنسان توقّف لحظة صدقٍ مع ذاته،
ونظر إلى داخله قبل أن ينظر إلى العالم،
لسقط كثيرٌ من هذا الصخب، ولتنفّس العالم شيئًا من السلام.
فليس كل ما نراه يحتاج موقفًا،
ولا كل ما نسمعه يستحق تصديقًا،
ولا كل معركةٍ كُتبت لنا لنخوضها.
ابدأ بنفسك…
فإصلاح الذات ليس خيارًا، بل مسؤولية.
والسلام الحقيقي لا يُفرض على العالم… بل يبدأ من الداخل.
في قلب كل حرب، تُصنَع روايات—
روايات تُدار بعناية، تُحرّض، تُشوّه، وتُعيد تشكيل الحقيقة بما يخدم مصالح خفية.
روايات تُستخدم لتقسيم البشر، وتشويه الأديان، وتحويل الإيمان إلى تهمة.
وأنا أرفض هذا التشويه رفضًا قاطعًا.
أرفض أن يُختزل الدين—أي دين—في مشهد عنف، أو يُستخدم غطاءً للدم.
فالحقيقة التي لا تتغير:
لا الإسلام، ولا المسيحية، ولا اليهودية—أي دينٍ سماوي—يُجيز قتل الأبرياء، ولا يبرّر انتهاك الطفولة.
ما يحدث ليس دينًا…
بل انحرافٌ في الإنسان،
واستغلالٌ للدين،
وعقولٌ مريضة ترى في الدمار وسيلة، وفي الإنسان أداة.
الأبرياء يسقطون كل يوم،
والأطفال يُسلبون مستقبلهم كل يوم،
وهنا فقط… يجب أن يصحو الضمير.
أما أن نُحمّل دينًا مسؤولية ذلك، فذلك ليس فقط خطأ—بل ظلمٌ أخلاقي وإنساني لشعوبٍ بأكملها.
المسلمون—سنة وشيعة—كما غيرهم من البشر،
لا يسعون إلا إلى حياةٍ آمنة، وكرامةٍ مصونة، ومستقبلٍ يحمي أبناءهم.
المشكلة لم تكن يومًا في الدين…
بل في من يُسيء استخدامه.
لقد انشغل الإنسان بالعالم… حتى نسي نفسه.
ولو أن كل فرد بدأ بذاته—وعيًا، وإصلاحًا، ومسؤولية—لتغيّر وجه هذا العالم.
ليس من المنطق أن نفرض على الآخرين أن يكونوا مثلنا،
ولا أن نقيسهم بمقاييسنا،
فالاختلاف ليس تهديدًا… بل هو قانون هذا الوجود.
واحترام هذا الاختلاف… هو أول طريق السلام.
اليوم، نحن أمام مفترق واضح:
إما أن نُغذّي الخوف والانقسام،
أو نرتقي بالوعي، ونختار الإنسان.
في زمنٍ تختلط فيه الحقيقة بالضجيج…
كن أنت وضوحًا.
كن ميزانًا لا يميل،
وصوتًا لا ينحاز إلا للحق.
فالسلام ليس ضعفًا…
بل قوةٌ أخلاقية،
ترتفع فوق الفوضى،
وتحمي الكرامة حين تُنتهك.
ومن يُشعل الحروب، ليس صانع سلام…
بل أسيرُ مصلحةٍ ضيقة، وسلطةٍ زائلة.
أما نحن…
فلا تُعرّفنا الألقاب، بل تقودنا القيم:
الاحترام، الكرامة، المسؤولية.
وفي عالمٍ مضطرب…
تبقى أعظم قوة نملكها،
أن نظلّ إنسانيين.
وظيفتنا التي خُلقنا لها… أن نكون إنسانًا، بكل رحمةٍ وصدق.
وأن نُدرك…
أننا نعيش في سُنن الله في أرضه،
نعيش تقديره، وألطافه، وحكمته التي تُحيط بكل شيء.
دهشتك طبيعية…
وحيرتك مفهومة حين تأتيك الأقدار بما لا تتوقع—فنحن بشر.
لكن إياك—ولو للحظة—أن تشك في حكمة الله،
أو في قدرته على قلب الموازين،
وتغيير مجرى الأحداث بلطفه الخفي وتدبيره العظيم.
فآمِن…
واطمئن، واخرج من حيرتك،
فليس لنا من الأمر شيء،
وكل شيء عنده بميزان.
صباح اليقين… بقدرة الله، وتدبيره الحكيم.
